رسائل دكتوراة
Arabic
2019
مظاهر الرومانسية في شعر العصرين الأموي والعباسي
حسن دخيل عباس الطائي, علي جبار جلوب العيساوي
كلية التربية للعلوم الإنسانية-جامعة بابل · العراق
الرومانسية مصطلح غربي تأسّسَ وتبلور في زمكانٍ محدد, وقد ساعدت ظروف معينة في بروز هذا المصطلح وإضفائه في ساحة الأدب الغربي, إذ كانت ولادته تقابل موت وفناء مذهب سابق كان قائماً آنذاك وهو الكلاسيكية.• من خلال ما اطلعت عليه من دراسة تأسيسية تبيّن أنّه لم تكن ولادة المذهب أو المدرسة الرومانسية آنية في الأدب الغربي, إنما كانت هناك قنوات اتصال وعلاقات قوية تحمل سمات الرومانسية ومبادئها موجودة فعلاً في الأدب الغربي متمثلة بما موجود من نصوص أدبية في العصور الوسطى المتمثلة بأدب (التوربادور) وغيرها صعودا إلى ما ثُبت من قبل النقاد من اشتغال أغلب الفنانين من الشعراء والرواة الغربيين من إنكليز وألمان وغيرهم بآليات الرومانسية قبل سَنّ هذا المصطلح بسنين مضت, وما وجد من أدب في المرحلة الكلاسيكية شاهد على هذا, ما يدل على وجود شركاء فعليين في صنع وتبلور هذا المصطلح قبلَ بروزه على هيئته التي استقرت الآن.• يوجد اتصال واضح وثأثير للمعايير الرومانسية في الأدب العربي الحديث, وكان ذلك عِبرَ اتصال الشرق بالغرب وسَفر كثير من الشعراء والأدباء إلى بلاد الغرب حيث مستقرهم بعد التهجير والضياع والهروب من الواقع الأليم.• هناك تشابه واضح بين سمات ومبادئ الشعر الرومانسي في الغرب, وبين السمات نفسها التي وجدت في شعر الحُبّ والموت والطبيعة والتأمل بين ثنيات أشعار العرب القدامى, وهذا يُعدّ مؤشراً على وجود دورة حياة زمنية تربط الأدب الغربي بالأدب الشرقي قديماً وحديثاً, فقد تكون البدايات من العصر الجاهلي أو الأموي أوالعباسي وصولاً إلى أدب العصور الوسطى في مجموعة من بلاد الغرب التي اهتمت بالآداب والفنون, ومن ثُمَّ تبلور مصطلح الرومانسية من نقاد وأُدباء غربيين, وبعدها بدا واضحاً عودة هذه السمات وظهورها مرة أُخرى في أدب العرب المتمثلة بالمُحدثين من شعراء وأُدباء.• إن مسألة الفطرية والقصدية في الإقدام على عمل ما, قد تكون الفِقرة المهمة والأساس في الوصول إلى نتائج مرضية ومقبولة, فما وجد في الأدب الغربي الرومانسي هو دخول مضمار جديد مخطط له وفق ما حدده مُريدو المدرسة الرومانسية من شروط وَجَبَ توفرها في الشاعر والأديب لكي يُنسب إلى هذه المدرسة أو المذهب – وعلى سبيل المثال لا الحصر- فأن يكون الشاعر حراً هو إحدى الشروط الأساس للالتحاق بهذه المدرسة, وإذا أنعمنا النظر في بعض شعراء العصرين الأموي والعباسي نجدهم ممن أعتلتهم صفة الحرية, الحرية من قيود العشيرة والدين والمجتمع, وهي حرية فطرية لم يؤسس لها ضمن بروتوكول محدد.• إن جميع ما وجد من ثيمات عمل عليها مؤسسو الرومانسية في العصر الحديث قد وجِدت في آداب قضت وانصرمت وتركت إرثاً لا يُستهان به من أعمال أدبية, ومن تلك الثيمات هي الطبيعة وما تتركه من أثر في نفس الرومانسي, إذ نجد هنالك أقواماً قد عملت على الاهتمام بالطبيعة واللجوء إليها لتكون الأم الحاضنة والملاذ الآمن قبل اهتمام الرومانسيين الغربيين بها, وكذلك ثيمة المرأة وتقديسها, والخوف من المجهول, وما إلى ذلك من موضوعات كانت تعتلي هرم الرومانسية, ووجدت بالفطرة عند غيرهم قبل آلاف السنين, وهذا قد يشجع على القول بأنَّ مشاعر العرب القدامى من شعراء يحملون سماتٍ رومانسية لا تكاد تختلف عن مشاعر الرومانسيين في الغرب والمحدثين العرب.• دخول الرومانسية إلى المنظومة الفلسفية عِبرَ ثيمة التأمل, التأمل في أيّ شيء يثير الريبة والخوف والقلق, على الرغم من أنّ الفلسفة تمجد العقل والرومانسية تنكر ذلك مفضلةً القلب عليه, فقد نجد الرومانسي مشغولاً دائما في التأمل في الكون والنفس البشرية والموت والحياة, ودائما ما يأخذ الليل أنيساً عندما تهدأ النفوس وتنعس العيون؛ ليكون وحده في هذا الكون متأملاً لما يخفيه الليل من جديد لا يعلمه, أو تأمّله بالموت وما يكون بعده, فهو دائماً في توجس وخوف وريبة من كُلّ الأشياء التي لم يظهر لها قرار.• قد يكون الوقف عند الجزئيات يوصل إلى الكليات, فتلمس ألفاظ الرومانسية في الأدب العربي القديم عِبرَ ما حواه معجمهم الشعري من كلمات غزيرة تحمل من مشاعر الحُبّ والخوف والألم والتأمل مقارنة بما موجود من ألفاظ في المعجم الشعري الرومانسي الغربي, يجعل الباحث عن الحقيقة يقرُّ على أنّ اللغة واحدة في كُلِّ زمان مع التطور الدلالي لها, وبما أن لغة كُلّ حقبة تُعدّ هُوية, فقد حملَ شعراء العصرين الأموي والعباسي هُوية الحُبّ القاتل والعفاف المقدس, والتأمل في كُلّ ما يثير مخاوف أو يخفي في غياهبه أسراراً وطلاسماً, وهي الهُوية نفسها التي اعتنى بها أصحاب المدرسة الرومانسية الفرنسية, وهي نفسها الهُوية التي حملها شعراء وأدباء الأدب العربي الحديث.• ولا بدَّ من الإشارة إلى أنّ بعض المفردات التي التجأ إليها الرومانسيون الغربيون أو العرب القدامى قد أخذت منحىً آخر يختلف جذرياً عمّا كانت هي عليه, مثال ذلك ثيمة الخيال, فقد كان سابقاً يخوض في مجال الفلاسفة حصراً, ويميل إلى العقل من دون العواطف والقلب, وهذا يقابل أفكار المدرسة الكلاسيكية, ومن ثُمَّ انفلت من قيود العقلانية ليكون في ساحة الإبداع؛ ليحقق الهروب المطلوب من الرومانسيين, وكذلك موضوع التشبيه التي دخلت قاموس الرومانسية بِحَلّتها الجديدة, فإنه لم يستعمل عندهم لتشبيه شيءً بشيءٍ آخر كما هو متعارف عليه سابقاً, إنما كُرسَ لنقل الشعور كما يحسه الشاعر.• إنماز الشعر العربي الرومانسي بتراسل الحواس الذي يكون دوره صهر عمل المدركات لمحو ما يميزها وما وجِدت عليه في الطبيعة, بحيث يكون عمل حاسة تعمل بدل حاسة أخرى وبشكل أكثر قوة وتأثيراً في المتلقي, وهذا ما اشتملت عليه اشعار العصرين الأموي والعباسي على حدٍّ سواء.• على الرغم من القول بعدم وجود الوحدة الموضوعية في شعر العرب القدامى إلا أننا وجدنا كثيراً من هذه القصائد قد احتوت على هذه الوحدة, وهذه سمة غالبة في الأدب الرومانسي الغربي والعربي الحديث, إذ أنّ الشعر العربي كان يقوم على وحدة البيت الواحد في أغلب الأحيان للتفضيل بين شاعر وآخر, وهذا ما دعا الشعراء قديماً إلى أن يكون البيت في القصيدة وحدة متكاملة مستقلة, إلا أن ما وجِد من شعر في العصرين الأموي والعباسي كان يقوم على التضمين العروضي الذي تتعلق فيه الأبيات الشعرية فيما بينها ولا تكاد تنفصل عن بعضها, وهذه من سمات الشعر الرومانسي الذي قامت عليه المدرسة الرومانسية في العصر الحديث.