المقال الافتتاحيفي الصحافة العربية -الصادرة في بلاد المهجر
صلاح علي القدار , علي المنتصر فرفر
كلية الفنون والإعلام-جامعة طرابلس · ليبيا
إن حاجة القارئ اليوم إلى الوقوف على دقائق الأمور المتعلقة بكافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى مختلف الأصعدة المحلية والعربية والعالمية، جعل وسائل الإعلام تسعى جاهدة لتوفير الحد الأدنى من المعرفة الضرورية، والتي أهمها حاجة الإنسان إلى معرفة ما يدور حوله، وحاجته إلى الرأي السديد السليم. والصحافة باعتبارها وسيلة رائدة من وسائل الإعلام الجماهيري قامت ولا زالت تقوم بأداء وظيفتها الإرشادية والإخبارية والتوجيهية منذ بداياتها الأولى، فالصحافة قوة مؤثرة تستمد فاعليتها من قوة الكلمة التي تستقر في عقول وأذهان القراء وبقوة الكلمة توجه الصحافة حياة الأمم، والصحافة تقوم برصد لحركة المجتمع يوماً بيوم ومدى تطورها من خلال أدبيات الصحافة، وأهمها المقال الافتتاحي الذي يستمد فاعليته من قوة الرأي الصريح والرأي السليم لتصحيح أو تعديل مسارٍ ما. عليه فإن إشكالية هذه الدراسة تتمحور في معرفة واقع واتجاهات الصحافة العربية الصادرة بالمهجر عبر رصد توجهات المقالات الافتتاحية الصادرة بها، حيث تبرز أهمية طرح هذه المشكلة من حيث محاولتها الإجابة عن مجموعة من التساؤلات وذلك بغية تحقيق الأهداف التالية:أولاً: ما يتعلق بالمقال الافتتاحي، ويشمل التعريف بالمقال الافتتاحي وتحديد أساليبه وخصائصه ووسائل نشره وتوضيح البناء الفني " الصحفي " له ودوره ووظائفه في الصحافة الصادرة بالمهجر وكيف يرى الكاتب أهمية المقال الافتتاحي.ثانياً: ويتعلق بالصحافة الصادرة بالمهجر، وأبعاد هذه الظاهرة من حيث الصدور من قطر عربي إلى آخر أو الصدور خارج الوطن العربي، وهل هي صحافة مهجر أم صحافة دولية، ومعرفة طرق تمويل هذه الصحافة والتعرف على أهمية الدور الذي يلعبه المقال الافتتاحي في صحف المهجر.ثالثاً: أما فيما يتعلق بالجانب التحليلي المكمل للجانب النظري فتمثلت الأهداف في التعرف على الموضوعات والأحداث الحاضرة في المقالات الافتتاحية وأي المناطق الجغرافية الحاضرة بأحداثها أكثر من غيرها إضافة إلى أساليب الإقناع المستخدمة في هذه المقالات لصحيفتي الدراسة والتحليل.رابعاً: أما الجانب الميداني فأهم أهدافه تكمن في معرفة رأي كاتبي المقال الافتتاحي لصحيفتي الدراسة والتحليل حول دور المقال الافتتاحي وأهميته في صحف المهجر، وتقييم صحافة المهجر وماذا أضافت للصحافة العربية عموماً، ودورها إزاء المتلقي العربي، وما أقرب الأساليب لإقناع القارئ والوصول إلى نقطة اهتمامه، بالإضافة لمعرفة ردود أفعال القارئ التي تصل الكاتب، وأيضاً دور الحكومات العربية في هذا الطرح، وما نوع المتلقي الذي يسعى الكاتب إليه، وهل هناك عودة قريبة لهذه الصحف لتصدر من داخل الوطن العربي. ولقد استعان الباحث بنظرية حارس البوابة التي تقوم على أن المرحلة التي تقطعها المادة الإعلامية حتى تصل إلى الجمهور المستهدف توجد نقاط وبوابات يتم فيها اتخاذ قرارات بما يدخل وما يخرج، وكلما طالت مراحل الأخبار حتى تظهر في الوسيلة الإعلامية تزداد المواقع التي يصبح فيها من سلطة فرد أو عدة أفراد تقدير ما إذا كانت الرسالة ستنتقل بنفس الشكل أو بعد إدخال تعديلات عليها، ويصبح نفوذ هذه البوابات له أهمية كبيرة في انتقال المعلومات، ونظرية انتقال المعلومات على مرحلتين التي تقوم على أساس أن الاتصال هو مجرد سلسلة متصلة من الحلقات حتى تصل إلى المتلقي. ولقد كانت حدود هذه الدراسة متمثلة في المجال البحثي والذي اشتمل على المقال الافتتاحي وصحافة المهجر، وعلى أعداد من صحيفتي العرب والقدس العربي الواقعتان ضمن مجتمع الدراسة المتكون من 658 عدداً ثم اختيار 48 عدداً من كل صحيفة منها كعينة، والمجال البشري المتمثل في القائم بالاتصال وهما كاتبا المقال الافتتاحي في العرب والقدس العربي، والمجال الزمني للدراسة والذي يقع في الفترة الزمنية ما بين 3- 1- 2004 إلى 31- 12- 2004، حيث تم فيه تحليل مضمون المقال الافتتاحي لصحيفتي العرب والقدس العربي كلاً على حدة مدة سنة واحدة، بواقع عدد من كل 6 أعداد للعرب، وعدد لكل سبعة أعداد للقدس العربي. ولأن هذه الدراسة من نوع دراسات وبحوث رصد الاتجاهات التي تستهدف التعرف على الأساليب التي اعتمدت عليها صحيفتا الدراسة في طرح القضايا والأحداث المختلفة وأنواعها على الساحة بغرض الوصول لإدراك أكبر وأشمل لدور المقال الافتتاحي لصحف المهجر وماذا استفادت هذه الصحف من الصدور في المهجر، بالإضافة إلى رصد توجهات كتاب المقال الافتتاحي وما إلى ذلك، فإن المناهج التي ارتبطت بها هي التالية:أولاً: المنهج الوصفي الذي يصف الظاهرة موضوع الدراسة والصحف موضع التحليل والدراسة.ثانياً: أسلوب تحليل المضمون الذي استعان به الباحث بشكل رئيسي في تحليل مضمون المقالات الافتتاحية لصحيفتي العرب والقدس العربي واستخدم لذلك أسلوبين هما: أولاً:- الأسلوب الكمي للتعبير عن البيانات والنتائج بصورة رقمية تستند إلى وحدات كمية يمكن عدها أو حسابها وفقاً للطرق الإحصائية المعروفة في جدولة البيانات. ثانياً:- الأسلوب الكيفي الذي يعتمد على التعبير عن البيانات والنتائج بصورة تحليلية واستنتاجية.ثالثاً: المنهج المقارن وعن طريقه تمت المقارنة على أكثر من مستوى في هذه النتائج كالمقارنة بين نتائج تحليل المضمون للصحيفتين محل الدراسة وربطها بما توصل إليه الإطار النظري لهذه الدراسة، ومقارنة ما سبق مع نتائج المقابلة مع كاتبي المقال الافتتاحي في صحيفتي العرب والقدس العربي، إلى غيرها من المناهج كالمنهج التاريخي والمعالجة الإحصائية. ولقد تضمنت الدراسة أربعة فصول اشتمل الفصل الأول على المنهجية المستخدمة للدراسة ككل، حيث تم التطرق لمشكلة الدراسة وأهميتها وأهدافها والنظريات المستخدمة فيها وتساؤلاتها وتحديد المصطلحات المستخدمة فيها ونوعها والدراسات السابقة والمشابهة لها.أما الفصل الثاني فجاء في ثلاث مباحث الأول عن المقال الافتتاحي واشتمل على نشأة المقال الافتتاحي في الصحافة العربية وأساليبه وخصائصه ووظائفه ووسائل نشره ومشاكل وصعوبات وصوله إلى المتلقي.أما المبحث الثاني عن الصحافة العربية الصادرة بالمهجر واشتمل على الأصول التاريخية لهذه الهجرة وتمويل صحف المهجر وإيجابيات وسلبيات الصدور في المهجر وأهم الصحف والمجلات الصادرة بالمهجر، أما المبحث الثالث فعن القائم بالاتصال واشتمل التعريف بمعنى القائم بالاتصال ومعناه والتسلسل في عملية الاتصال بالإضافة للتعريف بالصحف محل الدراسة والبحث وهما العرب والقدس العربي وذلك بمقابلات مع بعض العاملين بهذه الصحف بشكل مباشر مع الباحث.وتضمن الفصل الثالث الدراسة التحليلية وإجراءاتها المنهجية التي اشتملت على المناهج المستخدمة ومجتمع وعينة الدراسة وأدواتها وأسلوب جمع البيانات فيها ومجالاتها وحدودها وتحكيم استمارة تحليل المضمون وإجراءات الصدق والثبات.أما الفصل الرابع فضم عرض وتحليل البيانات الإحصائية والدراسة الميدانية وقسمه الباحث إلى مبحثين:- المبحث الأول: وفيه أ- المعالجة الإحصائية وعرض لنتائج تحليل المضمون لصحيفتي العرب والقدس العربي. ب- عرض النتائج لتحليل المضمون لصحيفتي الدراسة والتحليل بشكل مقارن.المبحث الثاني: الدراسة الميدانية واشتمل على نتائج الدراسة الميدانية المقارنة للقائم بالاتصال في كلٍ من صحيفتي العرب والقدس العربي. وقد توصل الباحث إلى جملة من النتائج ارتأى تقسيمها إلى نتائج مقارنة للدراسة التحليلية والميدانية ونتائج عامة للدراسة والتي منها:-1. ما صدرت هذه الصحف في الخارج إلا لضيق هامش حرية التعبير عن المشاكل والهموم العربية.2. صدرت هذه الصحف في المهجر وعينها على الداخل العربي، من حيث إبراز مشاكل وقضايا الداخل العربي، وأيضاً سعيها للحصول على ثقة المتلقي العربي في داخل الوطن العربي والمهجر.3. المقال الافتتاحي هو مقال إبداعي، يعتمد على إحساس وميول وتوجهات الكاتب، الذي يضعه في شكل كلمات تحمل رأيه، حول القضايا الدائرة على الساحة، وهو المعيار والمؤشر العام للصحيفة، التي يتصدرها في الصفحة الأولى، ومنه نستطيع معرفة توجهه، والخط العام لهذه الصحيفة.4. المقال الافتتاحي هو ملكية خاصة للصحيفة وليس للكاتب، لأنه يحمل البصمة والتوجه العام للصحيفة، وعلى هذا الأساس تتم محاسبة الصحيفة على أي خطأ، وليس الكاتب فقط، في حالة دخول الصحيفة في نزاعات قضائية.5. تصدرت القضايا والأحداث العربية الساخنة في المقالات الافتتاحية في صحيفتي البحث، واللتان ما صدرتا إلا لأجل إبراز القضايا العربية في ظل هامش حرية أكبر في المهجر.6. لا توجد خطوط حمراء لدى كاتبي المقالات الافتتاحية إلا بما يفرضه الرقيب الداخلي لديهما، أو ما تفرضه قوانين المطبوعات في الدول الصادرة بها تلك الصحف، مع ارتفاع سقف الحرية لدى الكاتبيْن اللذيْن تأثّرا بنمط الحرية والديمقراطية السائد هناك.7. يستمر بنجاح كبير أدب المقالة الافتتاحية في الصحافة، حتى في ظل التطور الهائل في خدمة نقل المعلومات والأخبار بشكل كبير في القنوات الفضائية الإخبارية أو الإنترنت.8. الصحافة اليوم أصبحت صحافة رأي أكثر منها صحافة خبر والتي تميزت بها القنوات الفضائية الإخبارية، التي تنقل الخبر بسرعة، لتقوم الصحافة بالكتابة عن أبعاد وتفسيرات الحدث في مقالاتها الافتتاحية.9. للقراء الدور الرئيسي في نجاح واستمرار صدور صحيفتي البحث المعتمدة في تمويلها على التوزيع في أرجاء المعمورة.10. أوجدت الافتتاحية نوعاً من الترابط بين الكاتب والقراء، الذين يسعون إلى الحصول على نسخة من صحيفتي البحث، لمطالعة المقال الافتتاحي بها، والحصول على الرأي، ومعرفة أبعاد ومُلابسات الحدث.11. فرضت الافتتاحية نفسها كفن مستقل بذاته ، وسعي بعض الدوائر والمؤسسات للحصول عليها، مما دعى إلى ترجمتها إلى أكثر من لغة.12. على الرغم من الضغوطات والتهديدات التي تعرّض لها كاتبا الافتتاحية، إلا أنهما استمرا في ذات السياق والنهج، وهذا مؤكد لما وصل إليه الباحث، من خلال ربط الماضي بالحاضر، أي بالأحداث التي وقعت في سبعينيات القرن الماضي، من ملاحقة لكتاب المقال الافتتاحي، وما يتعرض إليه اليوم الكاتبان من ضغوط، ومنع دخول إلى بعض الدول العربية نتيجة موقفهما من قضايا بعينها، مما دفع تلك الدول إلى مصادرة ومنع دخول وتوزيع صحيفتي العرب والقدس العربي إلى بلدانهما، إلا أن التقنية الحديثة فتحت الباب على مصراعيه، سواءُُ للقارئ الشغوف، الباحث عن المعرفة، أو للصحف الساعية للوصول إلى هذا القارئ عبر فضاء الإنترنت، فمثلاً صحيفة العرب ممنوعة من دخول دول الخليج، إلا أن القراء يزورون موقعها على شبكة المعلومات الدولية بمعدل مليون ونصف المليون زائر في الشهر، ليسقط أي ستار حديدي قد تفرضه أي حكومة أو دولة إزاء أي صحيفة قد تسعى إلى عزلها ومصادرتها.13. فتحت الصحافة المهاجرة الباب للصحافة العربية الصادرة في الداخل لتطوير نفسها على الصعيد الفني والتكنولوجي، لمواجهة ما يفد إليها من الخارج، مما أوجد نوعاً من التسابق، للحصول على ثقة القارئ، هذا بالإضافة إلى تراخي قبضة الرقيب في الداخل العربي إلى حد ما.14. تعمل صحيفتا البحث والدراسة وفق النمط الغربي في الهيكلية الإدارية والفنية، وهذا مرجعه تأثرهما بمحيطهما الغربي المتواجدتين فيه.15. على الرغم من انتشار المناطق الإعلامية في الوطن العربي، إلا أن الصحيفتين لا تفكران بالعودة إلى الوطن العربي، بفتح مكاتبها الرئيسية هناك، وهذا مرده إلى ضيق هامش الحرية فيها، وأيضاً لعدم ثقة الكتاب في النظام العربي القائم، بمنحهم نفس الهامش من الحرية التي تتمتع بها الصحيفتين بالمهجر.16. في بعض الدراسات الإعلامية التي اطلع عليها الباحث قبل القيام بهذه الدراسة، صُنف كاتبا الافتتاحية في الصحيفتين محل البحث بأنهما لسان حال الدول المنتمين لها، وبعد تحليل مضامين المقالات الافتتاحية، ومقابلة الكاتبيْن، تبين أنهما لسان حال نفسيهما فيما يريانه من قضايا وأحداث قد تتفق أو تتعارض مع النظام في البلدين الحاملين لجنسيتهما.17. الحضور القوي لكاتب افتتاحية القدس العربي في البرامج الإخبارية والحوارية في القنوات الفضائية العربية والأجنبية على خلفية نجاح افتتاحية التي تتصدر القدس والموقعة باسمه.18. تعددت وتنوعت القضايا في الافتتاحية، ولم تقتصر على القضايا السياسية فقط بل شملت جميع أنواع القضايا والأحداث في جميع مجالات الحياة. وأخيراً.. أهدي هذا الجهد إلى منارة العلم والعالمين، إلى سيد الخلق، إمام المرسلين، إلى الأمي الذي علّم المتعلمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم...مع كل الشكر والتقدير لأستاذي الفاضل الدكتور علي المنتصر فرفر الذي ساهم وقوفه بجانبي في أن يرى هذا الجهد الضوء، وكل الشكر للأستاذين عضوي المناقشة على تفضلهما بالموافقة على المناقشة. كما أهدي هذا الجهد إلى والدي ووالدتي، اللذين لن أنسى فضلهما، وبهما وصلت إلى ما أنا عليه اليوم. إلى إخوتي توفيق، باسم، سهيلة، ومحمد. إلى كل أصدقائي، إلى من وهبتني القدرة على الاستمرار والمضي قدماً في تحقيق هذا العمل، والتي جعلته واقعاً، إلى سميرة سعيد. كما لا يفوتني أن أشكر الدكتور علي الربيعي الذي لم يبخل عليّ بآرائه العلمية القيمة ليرى هذا العمل النور. فشكراً لكل من دعموني كلٌ بما في وسعه.