الملامح الوجودية في الرسم العراقي الحديث
كامل عبد الحسين الشّيخ, مازن هادي لطيف المعموري
كلية الفنون الجميلة-جامعة بابل · العراق
يبدأ الإنسان بتلمس تساؤلاته الوجودية، والبحث عن الأجوبة التي تحيط بكيانه القلق، دون أن يفقد القدرة على إيجاد المبررات التي تجعله يسير في اتجاه معين دون غيره، وهو بهذا يرى العالم الذي يحيطه من خلال ذاته. وعلى هذا الأساس يبدأ الافتراض بأسبقية الوجود على الماهية، وهو أول مبادئ الفلسفة الوجودية التي كانت في منتصف القرن الماضي بمثابة ثورة فكرية واجتماعية وسياسية، وردًا انعكاسيًا على الأزمات والحروب المتلاحقة التي أنجبتها العقلانية الغربية، وعصر الحداثة الذي اعتمد الذات منبعا للمعرفة وللكون برمته. لقد قدمت الوجودية تيارًا فلسفيًا معبرًا عن أزمات الإنسان المعاصر الذي شعر بفردانيته المطلقة في الوجود، وعزلته التي أصبحت بحاجة ماسة إلى تفسير في عالم يضج بالمتناقضات وعدم الانسجام مع العالم. فكان المفكر (سورين كيركغور) الذي يعد أبًا للوجودية المعاصرة قد اتخذ من وجوده محور تفلسفه، وكانت مشكلات حياته الخاصة، بكل تفاصيلها، هي الموضوعات الرئيسية في فلسفته، وهذا يجعلنا نرى بوضوح أن منطلقات الفلسفة الوجودية لصيقة بالواقع الذاتي المعاش، وعلاقة تلك الذات بإدراكها للعالم، أي امتلاك حقيقته الخاصة عن طريق التفكير في ذاته. يمكننا القول إن الفيلسوف الفرنسي (جان بول سارتر) هو من جعل هذه الرؤية الفلسفية تنتشر في الأوساط الثقافية والعامة على السواء، حتى بين الناس البسطاء، لما لهذا الفيلسوف من إمكانية في نقل الدرس الفكري من البحث الأكاديمي المتخصص إلى ساحة القصة والمسرح وبقية الفنون الأخرى، بما فيها الرسم، الذي حفز جيلاً بكامله للانخراط في هذا التيار المعبر عن حرية الفرد والبحث عن فهم خاص وشخصي للذات، وإيجاد حلول لآلام الإنسان المعاصر في ظل الواقع المليء بالإحباطات السياسية والاقتصادية والإنسانية التي عاشها الفرد الغربي في تلك المدة (منتصف القرن العشرين)، حيث كانت أوروبا ما زالت تعاني ويلات الحرب، وتعيش أزمات اقتصادية، شكلت رد فعل انعكاسي تجاه العقل الغربي المريض الذي أخفق في إيجاد حلول حقيقية لتلك المشكلات. تناول البحث الحالي (الملامح الوجودية في الرسم العراقي الحديث)، وقد درس مفردات وعناصر الفلسفة الوجودية البائنة في الأعمال الفنية في العراق خلال مرحلة الستينيات والسبعينيات، حيث كان تأثير الثقافة الحداثية في الخمسينات على أشده، وبالأخص الفلسفة الوجودية التي وجد فيها الفنانون الشباب ملاذًا يحقق طموحاتهم وأفكارهم في ظل الصراع السياسي العنيف الذي اجتاح البلاد بين الأحزاب السياسية والانقلابات العسكرية المتلاحقة، والوضع الاقتصادي المتذبذب الذي جعل الكثير منهم يعيشون شظف العيش في مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم. وقد احتوى هذا البحث على أربعة فصول، تضمن الفصل الأول تحديد مشكلة البحث والتي تتضح في ضوء السؤال التالي: ما هي الملامح الوجودية في الرسم العراقي الحديث؟ وتم تحديد هدف البحث بما يلي: التعرف على الملامح الوجودية في الرسم العراقي الحديث. أما حدود البحث: مرحلتي الستينيات والسبعينيات. فيما احتوى الفصل الثاني على الإطار النظري وضم ثلاثة مباحث: المبحث الأول: دراسة مفاهيم الوجود فلسفيًا وفكريًا. المبحث الثاني: التجربة الوجودية في الفن الأوروبي الحديث. المبحث الثالث: دراسة جدل الأساليب في الرسم العراقي الحديث. كما تضمن الفصل الدراسات السابقة والمؤشرات التي انتهى إليها الإطار النظري. فيما اشتمل الفصل الثالث على إجراءات البحث وهي: مجتمع البحث عينة البحث أداة البحث تحليل عينة البحث فيما اشتمل الفصل الرابع على نتائج البحث واستنتاجاته، ومن أهم النتائج: أكد الفنان العراقي على التفرد في الأسلوب والتقنية والأداء اللوني والخطي على سطح العمل بما يشكل أصالته في التجربة الذاتية تجاه العالم، فاستخدم الفنان العراقي لأول مرة تقنية (mixed media) وهي استخدام مواد مختلفة في بناء العمل الفني لإغناء السطح التصويري وتحقيق الدهشة في البناء والتعبير الأفضل والمتميز. أكد الفنان العراقي على المضمون في تناول أزمته الوجودية ومعالجة قضية الموت والزمان، بما هو موقف يواجهه الإنسان أمام العدم، فكانت أعماله تتصف بالواقعية الرمزية والتجريدية التعبيرية والتجريد الخالص، وتمثل انعكاسًا لأزمة الصراع السياسي وفوضى التقلبات الثقافية في تلك المرحلة من حياة المجتمع العراقي. ومن أهم الاستنتاجات: أرسى الفنان العراقي قيمة أساسية لمفهوم الحرية والأسلوبية والبحث عن مملكة خاصة بكل فرد يملك آليات عمل ومقومات وجوده في العالم، بما يمثل صورة وشخصية الفرد في عالم الإبداع والجمال. وكذلك التوصيات والمقترحات، ومصادر البحث العربية والأجنبية، والملاحق، وملخص باللغة الإنجليزية.