الأشكال ما قبل المسرحية ومرجعياتها الأنثروبولوجية (التعزية أنموذجاً): التعزية أنموذجا
محمد حسين محمد حبيب, ياسر عبد الصاحب البراك
كلية الفنون الجميلة-جامعة بابل · العراق
برزت أساليب الأداء الطقسي ( التمثيلي ) بوصفها إحدى خصوصيات المجتمعات الشرقية لما لتلك الأساليب من انعكاس واضح في أسلوب حياة الإنسان الشرقي وممارسته اليومية خاصة الدينية والشعائرية عبر الممارسة الطقسية التي تشكل حاجة نفسية توفر لممارسيها والمشاركين فيها نوعاً من العلاج الروحي لكثير من الانفعالات الذاتية التي يقف الخوف في مقدمتها ، الخوف من المجهول ، أو من المظاهر الطبيعية ، أو من القوى القدرية التي لا يجد لها تفسيراً إلا عبر التقرّب إليها واسترضائها بوساطة إقامة الشعائر الدينية لها ، وقد أنتجت تلك الممارسات الطقسية أشكالاً أدائية يرى بعض الباحثين أمثال : باتريك بافيس وفرانك فوشيه وأنتونان آرتو ، أنها تقترب من المسرح فأطلقوا عليها تعبير ( الأشكال ما قبل المسرحية ) مقاربين بينها وبين الشكل المسرحي الأرسطي الذي كان نتاجاً للممارسات الشعائرية الإغريقية القديمة للإله ديونسيوس ، لكن باحثين آخرين أمثال : يعقوب . م . لاندو و فوبيون باورز وتمارا الكساندروفنا بوتيتسيفا ، وجدوا فيها أشكالاً مسرحية لا أرسطية تمتلك خصوصياتها الجمالية النابعة من طبيعة الطقس الديني ذاته ، ولا تقتصر هذه الأشكال على مجتمع ما أو حضارة ما ، بل هي موجودة بنسب مختلفة في المجتمعات والحضارات ، و كغيرها من الحضارات الأخرى تزخر الحضارة العربية – الإسلامية بهذه الأشكال أيضاً ، وقد تنوعت هذه الأشكال بتنوع المجتمعات العربية – الإسلامية وبما يعبر عن خصوصية تلك المجتمعات على الرغم من وجود عناصر مشتركة بينها ، ومن بين تلك الأشكال ، الحكواتي وخيال الظل والمقامة والزار والتعزية ، التي أعطت للحضارة العربية – الإسلامية ديناميكيتها الأنثروبولوجية ، بينما يرى الباحث أن هذه الأشكال منها ما يُشكّل مسرحاً خالصاً مثل : ( الناتيا فيدا ) الهندية و ( الأوبرا ) الصينية و ( النو ) و ( الكابوكي ) اليابانيان ، لكنه ليس مسرحاً بالمفهوم الأرسطي لأنها تضم جماليات خاصة بها ، ومنها ما يُشكّل طقساً دينياً مثل ( التشابيه ) الرافدينية و ( المحجّبات ) الفرعونية و ( التعزية ) الإسلامية ، على الرغم من أمكانية مقاربتها مع بعض خواص المسرح الأرسطي .وقد أسهم علم الأنثروبولوجيا في توفير آليات بحثية ذات منحى إجرائي لأغلب العلوم الإنسانية - وبضمنها المسرح – التي تدرس الإنسان بوصفه كائناً إثنولوجيا ، ووفر هذا العلم أيضاً فرصة لإعادة النظر في المسلمات العلمية التي كانت تُعدُّ لوقت قريب من البديهيات المفروغ منها خاصة فيما يتعلق بأصول الظواهر الاجتماعية ، وحركة تطور المجتمع ، وثقافاته المتعددة ، وإذا كان هذا العلم قد اقتصر في بداياته الأولى على دراسة المجتمعات البدائية القديمة ، فانه سرعان ما توسع ليشمل المجتمعات البدائية المعاصرة التي مازالت تعيش مراحل حياتها الأولى علاوة على المجتمعات المتمدنة والصناعية منها على وجه الخصوص ، ولتصبح الأنثروبولوجيا منهجاً نقدياً يعيد النظر على الدوام في صياغة تاريخ البشرية على وفق كشوفاته المتجددة ، ومثلما كانت الأنثروبولوجيا علماً مساعداً للكشف عن طبيعة الثقافات الإنسانية ، وخصائصها المميزة ، واختلافاتها ، وهجرة عناصرها الإثنوغرافية عبر الزمان والمكان ، فإنها في الوقت ذاته أعطت تصوراً جديداً لتلك الثقافات يقوم على المقاربة بين البنية الاجتماعية والبنية الثقافية اللتين تتماهيان بعضهما مع بعض لتكوين خصوصية مجتمع ما وثقافته ، وشكلت ( الأشكال ما قبل المسرحية ) في الشرق ميدانا من ميادين البحث الأنثروبولوجي الذي يعيد النظر في الأصول المسرحية ، وفي ضوء ذلك قُسِّم البحث على أربعة فصول .ضم الفصل الأول الإطار المنهجي حيث مشكلة البحث التي تمحورت في الأستفهام الآتي : ( ما هي الأشكال ما قبل المسرحية ، وما هي أبرز مرجعياتها الأنثروبولوجية لاسيما التعزية ) ومن ثم أهمية البحث والحاجة إليه في تسليط الضوء على مفهوم ( الأشكال ما قبل المسرحية ) وعلاقتها بالدراما من خلال شكل ( التعزية ) المعروف في التراث العربي والإسلامي ، مُبيناً طبيعة هذا الشكل ومكوناته من جميع النواحي الأدبية والفنية والتواصلية ، راسماً بذلك هدفاً محدداً في ( بيان المرجعيات الأنثروبولوجية للأشكال ما قبل المسرحية ، ومكوّنات ( التعزية ) بوصفها طقساً دينياً ومدى اقترابها من صيغ الأداء المسرحي أو ابتعادها عنه ) ، وكذلك تسليطه الضوء على أحد العلوم المجاورة لفن المسرح عبر تقصّي العلاقة بين المسرح ومعطيات التحليل الأنثروبولوجي لتطوّر الظواهر الاجتماعية ومن بينها الظواهر الثقافية والفنية التي يُعدّ المسرح واحداً منها في ثلاثة بلدان إسلامية ( لبنان ، وإيران ، والعراق ) للمدة ( 2004 – 2008 ) ، والتوقف عند حدود البحث الموضوعية في دراسة : الأشكال ما قبل المسرحية ومرجعياتها الأنثروبولوجية من خلال شكل ( التعزية )وأختتم الفصل بتعريف أهم المصطلحات الواردة في البحث .أما الفصل الثاني فقد تضمن الإطار النظري والدراسات السابقة ، وقُسِّم على ثلاثة مباحث ، المبحث الأول جاء تحت عنوان ( علم الأنثروبولوجيا : الأصول ، الاتجاهات ، الميادين ) ودرس فيه الباحث مراحل نشوء علم الأنثروبولوجيا وحددها في مرحلتين الأولى : غير الرسمية ( أو غير الأكاديمية ) التي تشتمل على الإنجازات جميعها التي قام بها العلماء الذين انصبّت جهودهم على دراسة المجتمعات البشرية عبر الدراسات الوصفية للرحالة والدراسات الجيولوجية والحملات الاستعمارية ، وهي المرحلة التي تمتد من العصور القديمة التي تم فيها اكتشاف النار واختراع أو صناعة بعض الأدوات والفنون المفيدة إلى منتصف القرن التاسع عشر ، والثانية : الرسمية ( الأكاديمية ) التي بدأ فيها هذا العلم يكوّن منهجياته وقوانينه التي جعلت منه علماً مستقلاً يُلحق بالعلوم الإنسانية خاصة الاجتماعية ليتمخض عن هذا التأسيس الرسمي تطور هذا العلم ونموّه وتفرّعه إلى علوم عدّة ، حتى باتت الأنثروبولوجيا بوصفها علماً تدخل في جميع النواحي العامة للإنسان في عصرنا الراهن ، وحدد الباحث أيضاً أهم الاتجاهات الأنثروبولوجية ولخصها في ثلاثة اتجاهات رئيسة هي : ( التطوري ، والانتشاري ، والوظيفي ) مع الإشارة إلى الاتجاهات الفرعية فيها ، بينما حصر أهم الميادين الرئيسة التي دخلت فيها الأنثروبولوجيا في عشرة ميادين هي : ( الطبيعية ، والثقافية ، والاجتماعية ، والنفسية ، والطبية ، والفلسفية ، والتطبيقية ، والقانونية ، والسياسية ، والفن ) وتناول في الميدان الأخير إثنولوجيا الموسيقى وأنثروبولوجيا المسرح مركزاً على جهود المخرج أوجينيو باربا في المضمار الأخير ، أما المبحث الثاني فجاء تحت عنوان ( الأشكال ما قبل المسرحية في الحضارات الشرقية القديمة وأنثروبولوجيا المسرح ) وتناول فيه الباحث مظاهر الأداء التشبيهي في الحضارة السومرية عبر ( التشابيه الرافدينية ) ، و الحضارة المصرية عبر ( المُحجبات الفرعونية ) ، و الحضارة الهندية عبر ( الناتيا فيدا ) السنسكريتية ، و الحضارة الصينية عبر ( الأوبرا ) ، و الحضارة اليابانية عبر مسرحي ( النو ) و ( الكابوكي ) مع دراسة المرجعيات الأنثروبولوجية لتلك المظاهر خاصة الدينية والأسطورية والشعائرية وتأثير تلك الأشكال ما قبل المسرحية في المخرجين المحدثين أمثال جيرزي غروتوفسكي وبيتر بروك وبرتولد بريخت وفيسفولد مايرخولد ، بينما تناول المبحث الثالث ( الأشكال ما قبل المسرحية في الحضارة العربية - الإسلامية وأنثروبولوجيا التعزية ) بادئاً بـ ( الفرجة العربية قبل الإسلام ) التي شملت ( الأسواق الأدبية ، وتهاليل الطواف في الحج ، والاستسقاء ، والمنافرة ) ، ثم معرّجاً على ( الفرجة العربية بعد الإسلام ) التي اشتملت على مرجعيات دينية وحضارية كوّنت أشكال الفرجة تلك ، خاصة الشعائر التي قسمها الباحث على قسمين : ( الشعائر العامة ، والشعائر الخاصة ) مُحدداً الخصائص الجمالية والمضمونية لكل من أشكال الفرجة مثل ( الحكواتي ، والمقامة ، وخيال الظل ، والزار ، والتعزية ) ومُبيناً الأصول الأنثروبولوجية للتعزية وشكلها وطريقة إقامتها وخصائصها العامة .وجاءت المؤشرات التي أسفر عنها الإطار النظري لتوفر أداة تحليل صادقة للبحث ومن ثم اختتم البحث بالدراسات السابقة التي حصرها في تسع دراسات وجد الباحث في بعض منها اقتراباً طفيفاً من دراسته ، بينما الأخرى كانت من الدراسات المجاورة لبحثه .ويتضمن الفصل الثالث الإجراءات من خلال مجتمع البحث وعينته القصدية متمثلة بثلاثة نماذج من طقوس التعزية .1- التعزية اللبنانية .2- التعزية الإيرانية .3- التعزية العراقية .وبوساطة أداة التحليل المتمثلة بـ :1- مؤشرات الإطار النظري .2- الأقراص الليزرية CD و DVD .3- الصور الفوتوغرافية .4- المقالات الصحفية .5- المواقع الالكترونية ( الانترنيت ) .6- المشاهدة العيانية لطائفة من العروض .7- المقابلة الشخصية .ومن ثم تحليل العينة من خلال :( بيان المرجعيات الأنثروبولوجية للتعزية ومكوّناتها بوصفها طقساً دينياً وصيغ اقترابها من الأداء المسرحي أو ابتعادها عنه ) .أما الفصل الرابع فقد اشتمل على :النتائج وكان من أبرزها :1- لا تلتزم التعزية بالمدوّنة النصيّة في إقامة الطقس التزاماً حرفياً ، بل إنها تضيف وتحذف وتُقدِّم وتؤخر في تراتبية الأحداث لمقاربتها مع الحقيقة التاريخية التي تنشدها التعزية .2- تعتمد التعزية على مستويين في سرد أحداث الواقعة ، الأول هو المستوى الروائي ( السمعي ) الذي يأتي على لسان الراوي خاصة في المطلع الافتتاحي لها ، والثاني هو المستوى التجسيدي ( المشهدي ) أو البصري الذي يغلب على الأحداث كلها .3- ينطلق طقس التعزية في بناء أحداثه من مرجعيات تاريخية تتصل بتفصيلات واقعة الطف وأحداثها عبر فعل الاستعادة للذاكرة الجمعيّة التي تمزج فيها الذاتي بالموضوعي وتقشير الطبقات الأركيولوجية التي تكوّنت في وجدان الجمهور عبر التلقي السنوي لأحداث الواقعة .4- إن نص التعزية ينمو باستمرار مع كل إعادة سنوية للطقس ، ففعل التكرار عنصر مهم في بناء الطقس الديني وتطوّر، ما يعني قابليته على التطور والنمو بما يتناسب ووعي القائمين على إنتاجها .5- يُحيلنا طقس التعزية إلى مرجعيات أسطورية تتعلق بالعناصر البدئية ( أساطير الخلق ) في العقيدة الشيعية التي يتم بوساطتها تفسير العديد من عناصر ذلك الطقس خاصة الدلالات الرمزية لارتداء النقاب الأبيض على وجوه النساء ، والخطاب المباشر للسماء ، وغيرها من العناصر التي تكشف عن القدرة التعبيرية والتواصلية للأسطورة في الطقس الديني التشبيهي .6- تمزج التعزية بين اللغة الفصيحة واللهجة العاميّة ، وبين الشعر والنثر في بناء لغتها وحواراتها سواء كانت الفردية أو الثنائية خاصة في المقاطع الإنشادية التي تكون لسان حال إحدى الشخصيات ، إذ تخلق تأثيراً عاطفياً في وجدان الجمهور المُشارك في الطقس عبر استثارة تجربته الشخصية عن طريق اللهجة العاميّة التي يرتبط معها بوشائج محليّة تشكّل عمق مأساته الشخصية .7- لا يعتمد إعداد النص في التعزية على المخيلة التأليفية لكاتبه ، بل هو إعادة تنظيم للوقائع المروية في كتب التاريخ في هيئة مدوّنة نصيّة تشكّل القاعدة الأدبية للطقس التشبيهي .8- تعمّق التعزية مرجعياتها الأنثروبولوجية عبر اعتماد ( الرؤيا ) فعلاً أتصالياً بين الميّت والحي ، أي بين عالم الوجود الدنيوي والعالم الأخروي ، فيكون المنام والرؤيا فيه جسراً وهمياً يربط بين العالمين .وخلُص البحث إلى الاستنتاجات والتوصيات والمقترحات والمصادر ، ثم الملاحق وخلاصة باللغة الإنكليزية.