Schoobrary رجوع
العودة إلى البحث
رسائل دكتوراة العربية 2007 f3f4d205-30a0-4617-b147-f103197ecd9e

المصاحبة اللغوية وأثرها في تحديد الدلالة في القرآن الكريم: دراسة نظرية تطبيقية

حمادة محمد عبدالفتاح الحسيني دهينة, عبدالحليم محمد عبدالحليم, محمود عبدالعزيز عبدالفتاح

كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين - القاهرة-جامعة الازهر · مصر

الموضوعات

علوم اللغة

الملخص

مقدمة: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذا بحث قُدِّم لنيل درجة العالمية ( الدكتوراه ) في أصول اللغة بعنوان: " المصاحبة اللغوية وأثرها في تحديد الدلالة في القرآن الكريم - دراسة نظرية تطبيقية ". وبفضل الله ومَنِّه قد حصلت على درجة الدكتوراه في الدِّراسات الإسلامية والعربية، قسم اللغة العربية، تخصص أصول اللغة، بتقدير مرتبة الشرف الأولى سنة 2007م، من كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة، جامعة الأزهر الشريف. وقد أشرف على هذه الدراسة الأستاذ الدكتور: عبدالحليم محمد عبدالحليم - أستاذ أصول اللغة غير المتفرغ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية. والأستاذ الدكتور: محمود عبدالعزيز عبدالفتاح - أستاذ أصول اللغة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر الشريف. وتكونت لجنة المناقشة من الأستاذ الدكتور: عبدالحميد أبو سكين - أستاذ أصول اللغة بكلية اللغة العربية بالقاهرة. والأستاذ الدكتور: عبدالفتاح عبدالعليم البركاوي - أستاذ أصول اللغة بكلية اللغة العربية بالقاهرة. ويقوم هذا البحث على دراسة ظاهرة من الظواهر اللُّغوية، التي تُظهر جمالَ اللغة ودِقَّتَها، وتآلف ألفاظها، وهي ظاهرة المصاحبة اللغوية، ونقصد بها: " الارتباط الاعتيادي لكلمةٍ ما في لغةٍ ما بكلمات أخرى معينة دون غيرها " [1] . وقد قام هذا البحث بالتأصيل النظري لهذه الظاهرة، ثُمَّ دراستها دراسةً تطبيقيَّة من خلال القرآن الكريم، وقد دفعني إلى اختيار هذا الموضوع عِدَّة أسباب، منها: أولاً: خدمة كتاب الله - تعالى - القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي وعد الله بحفظه فقال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، فحفظه الله - تعالى - من زيغ المضلين، وتأويل المبطلين، وإنكار الجاحدين، فقَيَّض الله - عزَّ وجلَّ - لخدمته العلماءَ عبر العصور والأزمان، فكان القرآنُ الكريم مَوْضِعَ العناية الأول عند العلماء والأدباء والفقهاء، فتوالت المؤلفات في لغته وإعرابه وبَلاغته وتفسيره وأحكامه. ثانيًا: خدمة اللغة العربية، هذه اللغة التي بها يفهم مراد الله - تعالى - في كتابه، ومُراد رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سنته، وقد اختارها الله - عزَّ وجلَّ - دون سائر اللُّغات الإنسانية؛ لتكونَ لغةَ كتابِه الذي ختم به سائر الكتب السماوية؛ قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء : 192 - 195]. ثالثًا: "إن ظاهرة المصاحبة اللغوية لَم تَنَلْ حَظَّها الوافر من الدِّراسة عند الباحثين، فلَمْ تَلْقَ عنايةَ كثير من الدَّارسين في مجال دراسة اللغة، على الرَّغْم من أهميتها، فعندما تبحث عن هذه الظاهرة في مؤلفات اللُّغويين في العصر الحديث، لا تَجدها إلا في صفحات يسيرة مُتناثرة هنا وهناك، فلم أعثر على مؤلف يَخُصُّها بالدِّارسة، ويتحدث عنها إلاَّ لفضيلة الدكتور: محمد حسن عبدالعزيز في كتابه " المصاحبة في التعبير اللغوي "، ومع نفاسته نجد أن هذا المؤلف لا يشبع الباحث عن هذه الظاهرة، ولا يروي ظمأه. يضاف إلى ذلك أنَّني لم أجد من الباحثين مَن قام بدراسة ظاهرة المصاحبة اللغوية دراسة تطبيقية في القرآن الكريم، على الرغم أن القرآن الكريم مَعين لا ينضب، وبَحر لا ينفد في مجال المصاحبات اللغوية بين الألفاظ. ودراسة هذه الظاهرة دراسة تطبيقية في القرآن الكريم لها أهميتها من ناحيتين: الأولى: إظهار الإعجاز القرآني ومدى الدقة في اختيار ألفاظه. الثانية: إن فكرة المصاحبة اللغوية لها دَوْرها في تَحديد دلالة كثير من الألفاظ والتراكيب القرآنية، التي لا يُمكن أن يتوصل إلى فهم دلالتها في النص القرآني مُنعزلة عن فكرة المصاحبة. وقد اشتمل هذا البحث على مقدمة، وتَمهيد، وخمسة أبواب، وخاتمة، وفهارس: أما المقدمة: فتحدثت فيها عن أهميةِ الموضوع، وأسباب اختياره، وخُطَّةِ البحث، والمنهج الذي سرت عليه، وأهم الصعوبات التي واجهتني. والتمهيد: تحدثت فيه عن التعريف بعلم الدلالة، ومفهوم الوحدة الدلالية. الباب الأول: تأصيل فكرة المصاحبة اللغوية، وبيان معالمها عند اللغويين. ويشمل ثلاثة فصول: أما الفصل الأول: فهو بعنوان: "نظرة اللغويين للمصاحبة اللغوية"، وذلك في خمسة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالمصاحبة. المبحث الثاني: المصاحبة عند القدماء من اللغويين العرب. المبحث الثالث: المصاحبة في المصنفات اللغوية عند العرب. المبحث الرابع: المصاحبة عند اللغويين العرب المحدَثين. المبحث الخام س : المصاحبة عند كلٍّ من فيرث وبالمر. الفصل الثاني : مفاهيم ترتبط بالمصاحبة، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: وتناولت فيه: 1- أنواع المصاحبة. 2- ضوابط المصاحبة. 3- أشكال المصاحبة وصورها. 4- الألفاظ المبهمة وحاجتها إلى المصاحبة. 5- أهمية المصاحبة. المبحث الثاني: التعبير الاصطلاحي. المبحث الثالث: أثر البيئة في تكوين المصاحبات. الفصل الثالث: علاقة المصاحبة بالمستوى التركيبي (النحوي). الباب الثاني وعنوانه: (المصاحبة والقضايا اللغوية). وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: علاقة المصاحبة بالظواهر اللغوية، ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: علاقة المصاحبة بظاهرة الإِتْباع. المبحث الثاني: علاقة المصاحبة بظاهرة النحت. المبحث الثالث: المصاحبة وظاهرتا الترادف والمشترك. المبحث الرابع: المصاحبة والتطور اللغوي. الفصل الثاني: المصاحبة والترجمة. الفصل الثالث: المصاحبة والعمل المعجمي. الباب الثالث : وعنوانه: "دراسة تطبيقية للمصاحبة اللغوية في القرآن الكريم على مستوى النمط الاسمي"،. ويشمل ثلاثة فصول: الفصل الأول: دراسة المصاحبة اللغوية في القرآن الكريم بين الموصوف والصفة. الفصل الثاني: دراسة المصاحبة اللغوية في القرآن الكريم بين المضاف والمضاف إليه. الفصل الثالث: دراسة المصاحبة اللغوية في القرآن الكريم بين المعطوف والمعطوف عليه. أما الباب الرابع: فعنوانه: "دراسة تطبيقية للمصاحبة اللغوية في القرآن الكريم على مستوى النمط الفعلي". ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: المصاحبة اللغوية بين الفعل والاسم. الفصل الثاني: المصاحبة اللغوية بين الفعل وحرف الجر، وذلك في مبحثين: المبحث الأول: الأفعال التي تنوعت معها حروف الجر في القرآن الكريم (غير مختصة). المبحث الثاني: الأفعال التي اختصت بحروف جر بعَيْنها في القرآن الكريم (مختصة). أما الباب الخامس: بعنوان: "المصاحبة اللغوية، وأثرها في قضية الفروق اللغوية في القرآن الكريم"، ويشتمل على: تمهيد عن أثر المصاحبة اللغوية في إثبات الفروق اللغوية بين الألفاظ المترادفة، وفصل بعنوان: "دراسة تطبيقية لأثر المصاحبة اللغوية في إثبات الفروق اللغوية بين الألفاظ المترادفة في القرآن الكريم". ثم الخاتمة : وتحدثت فيها عن أهم النتائج التي توصَّلْت إليها من خلال هذه الدراسة. ثم الفهارس : وتشتمل على الآتي: 1- فهرس الآيات القرآنية. 2- فهرس الأحاديث النبوية. 3- فهرس الأشعار. 4- فهرس المصادر والمراجع. 5- فهرس المحتوى. أما عن المنهج العلمي الذي سرت عليه في تناول هذه الدراسة، فقد قمت بتقسيم هذه الدراسة قسمين: القسم الأول وهو الدراسة النظرية، وحاولت من خلاله أن أجعل بين يدي القارئ مادةً علمية غزيرة، تتَّضِح من خلالها معالِمُ هذه الظاهرة في أذهان الدارسين، وقد قمت بتأصيل ذلك تأصيلاً نظريًّا من خلال دراسة الجوانب المختلفة لهذه الظاهرة، مُعتمدًا في ذلك على ما ذكره اللغويون عن هذه الظاهرة، وما استنبطته من قراءة واطلاع حول هذا الموضوع. أمَّا القسم الثاني، فيشمل الجانب التطبيقي لهذه الظاهرة في القرآن الكريم، فقد قمت باختيارِ مَجموعة كبيرة من الألفاظ والتراكيب القرآنية، التي تَجلَّت فيها فكرةُ المصاحبة اللغوية، ثم هداني الله - عزَّ وجلَّ - إلى تقسيمها تقسيمًا نحويًّا يتفق مع أشكال المصاحبة وصورها التي ذكرها اللغويون، وهذا التقسيم استفدت منه كثيرًا في تنظيم الجانب التطبيقي في هذا البحث، فقد قمت بدراسة المصاحبة اللغوية في القرآن الكريم على مستوى النمط الاسمي، وقمت بدراسة المصاحبة اللغوية بين الصفة والموصوف، والمضاف والمضاف إليه، والمعطوف والمعطوف عليه، أمَّا دراسة المصاحبة على مستوى النمط الفعلي، فاشتملت على دراسة المصاحبة اللغوية بين الفعل والاسم، وبين الفعل وحرف الجر. وقد اتبعت في دراستي للجانب التطبيقي عدة أمور، منها: أولاً: دراسة المعنى المعجمي لكل لفظ من ألفاظِ المصاحبة دراسةً مستقلة، ثُمَّ دراسة دلالة التركيب. ثانيًا: دراسة ألفاظ المصاحبة في السياق القرآني، وبيان عدد المعاني أو الوجوه التي وردت بها كلُّ صورة من صور المصاحبة، وأثر المصاحبة في التوصُّل للمعنى المراد. ثالثًا: ذكر عدد المَرَّات التي تكررت فيها صورة المصاحبة في القرآن الكريم. رابعًا: التنبيه إلى التعبيرات الاصطلاحية التي نتجت عن هذه المصاحبة. خامسًا: الاستئناس بذكر أحاديث من السنة النبوية المطهرة، أو أبيات من الشعر وردت فيها صورةُ المصاحبة؛ للدلالة على شيوعها في الاستعمال اللغوي، وذلك في بعض الأحيان. سادسًا: التنبيه إلى بعض الأحكام الفقهية التي استفادها العلماءُ من ظاهرة المصاحبة اللغوية عندما يتسنى ذلك. سابعًا: إظهار مدى التناسُب والتوافُق بين الألفاظ المتصاحبة في السياق القرآني. ثامنًا: التنبيه إلى أثر المصاحبة اللغوية في قضية الفروق اللغوية في القرآن الكريم، من خلال دراسة بعض الألفاظ المترادفة، التي جمعتْ بينها المصاحبة اللغوية، وإثبات أنَّ كل لفظ له ملمح دلالي مستقل يُمَيِّزه من غيره من الألفاظ التي يظن الناظر فيها أنَّها مترادفة. تاسعًا: قمت بترتيب الألفاظ والتراكيب داخلَ الفصول ترتيبًا معجميًّا يوافق حروفَ الهجاء. وأخيرًا: أود أن أقول: إنَّ هذا العملَ المتواضِعَ ما هو إلا جهد المقل، فلا أدَّعي فيه كمالاً، فالكمال لله - تعالى - وَحْدَه، والعصمة لرسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والله أسأل أن ينال القَبول والرِّضَا، وما كان فيه من توفيقٍ، فمن الله وَحْدَه لا شريكَ له، وما كان فيه من تقصير فمن نفسي والهوى والشيطان، وحسبي أنِّي بشر أخطئ وأصيب، ومعذرتي أنني ما زلت طالب علم يُحاول أن يضع قدمه على بداية طريق العلم، واللهَ - تعالى - أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعل هذا الجهد في ميزان حسناتي. ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88 - 89]. •              •             • الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين: وبعد: ففي نهاية هذه الرحلة الممتعة في دراسة ظاهرة المصاحبة اللُّغوية دراسة نظرية وتطبيقية، من خلال المصاحبات اللغوية في القرآن الكريم - أود أن أسجل بعضَ النتائج التي توصلت إليها: 1- إن المصاحبة اللغوية واحدة من الظواهر اللغوية التي شاعت في لغتنا العربية، وليست لغتنا بدعًا في ذلك؛ فهي ظاهرة تشيع في جميع اللغات، إلا أنَّ اللغة العربية امتازت بدقتها البالغة، وبراعتها الباهرة في اختيار المصاحبات بين الألفاظ. 2- قد تنبه اللغويون العرب القدماء إلى هذه الظاهرة، وتركوا لنا تراثًا زاخرًا من المؤلفات والمصنفات اللغوية، التي اهْتَمَّت بعرض الألفاظ اللغوية مع مصاحباتها اللغوية، والتي كانت عونًا للأدباء والكتَّاب والشعراء في تلك العصور، ومن هذه المؤلفات: " الألفاظ الكتابية " للهمذاني، و" جواهر الألفاظ " لقدامة بن جعفر، و" إصلاح المنطق " لابن السكيت، و" فقه اللغة " و" ثمار القلوب " للثعالبي، و" الفروق اللغوية " لأبى هلال العسكري، وغير ذلك من المؤلفات. والناظر في هذه المصنفات يرى أنَّها تضم ثروةً من الألفاظ والعبارات والجمل رُوعي فيها اختيار ما يُلائم اللفظَ من ألفاظ أخرى يَحسن أن ترافقه، وكما يقول د. محمد حسن عبدالعزيز: "ومن ثَمَّ كانت هذه الكتب منبعًا لا ينضب لطالبي المصاحبات البليغة الحلوة الجرس، كما يلاحظ أن علماء العربية السابقين قد تناولوا ظاهرةَ المصاحبة اللغوية، وتَحدثوا عن ضرورة التوافُق بين الألفاظ في الاستعمال، كما أنَّهم جعلوها حدًّا في التفرقة بين الألفاظ المترادفة، كما فعل أبو هلال العسكري في كتابه " الفروق اللغوية "؛ مِمَّا يؤكد أنَّ العلماء العرب السابقين كان لهم السبق في إدراك هذه الظاهرة واستيعابها، وإن لم يطلق عليها أحدُهم مصطلح المصاحبة. وهذا يؤكد لنا أنَّ "تراثنا اللغوي في حاجة ماسَّة إلى أن تعاد قراءته في ضوء البحوث اللغوية المعاصرة، بل ينبغي إعادة تصنيفه؛ بحيث يتيسر للدَّارسين بَحثه والانتفاع به"؛ وذلك ليعلمَ هؤلاء الذين يلهثون وراءَ كُلِّ الأفكار التي يبثُّها إلينا الغرب أنَّ في تراثنا الكفاية، بل إننا إذا أعطينا التراث قليلاً من الاهتمام، لصارت الريادة بأيدينا، وصرنا نصدر إلى الغرب كلَّ جديد، كما كان أسلافنا العظماء من علماء المسلمين. 3- تؤكد دراسة ظاهرة المصاحبة اللغوية أنَّ دلالة التركيب لا تتوقف عند حدود المعنى المعجمي، بل ينبغي النظر في التصاحُب الواقع بين الألفاظ؛ من أجل التوصل إلى المعنى المراد، وليس معنى هذا أننا نهمل دراسةَ المعنى المعجمي، فمعلوم أنَّ له دَوْرَه في تحصيل المعنى، ولكن ليس هو كل شيء في إدراك المعنى، فالترافق بين الألفاظ له ضوابطه التي تؤدي في النهاية إلى تحصيل المعنى المراد، ولو حدث خلل أو خروج عن هذه القواعد والضوابط، لَمَا تَحققت الفائدة الدلالية المرجوة لدى المتكلم أو السامع. 4- إن الدراسة التطبيقية لظاهرة المصاحبة اللغوية من خلال القرآن الكريم - قد أثبتت وجهًا من وجوه الإعجاز القرآني في انتقاء ألفاظه، وحسن ترتيبها في نسق لغوي بديع، فقد أحدث القرآن الكريم كثيرًا من المصاحبات اللغوية الفريدة، التي صبغت بالصبغة الإسلامية، إضافةً إلى الكم الهائل من المصاحبات اللغوية، التي وردت في القرآن الكريم، وهو على ذلك منبع لا ينضب مداده في دراسة المصاحبة. 5- لقد أسهمتِ المصاحبةُ اللُّغوية بدورها الفَعَّال في إنشاء كثير من المصطلحات الإسلامية في القرآن الكريم، مثل: " أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وسدرة المنتهى، والمشعر الحرام، ويوم القيامة، والمقام المحمود، وابن السبيل... إلخ "، وغيرها كثير كما اتضح من خلال هذه الدراسة. 6- يلاحظ أنَّ القرآن الكريم تنوعت فيه المصاحبات اللغوية للألفاظ، فهناك من الألفاظ ذات المعدل الكبير؛ أي: واسعة المدى؛ حيث تقبل في صحبتها كلمات كثيرة، من ذلك: ( أصحاب، يوم، أهل، سبيل... ). وعلى العكس هناك كلمات ذات معدل ضعيف يُمكن التنبؤ - على درجات متفاوتة - بالكلمة التي تجيء معها، ومن ذلك: ( خطبة النساء، والمشعر الحرام، سكرة الموت، سدرة المنتهى، سم الخياط... ) إلى غير ذلك. 7- يلاحظ من خلال هذه الدراسة أنَّ القرآن الكريم قد استوعب صُورَ المصاحبة اللغوية المتعددة، فوردت المصاحبات اللغوية في صورةِ الصفة والموصوف، وصورة المضاف والمضاف إليه، والعطف، والفعل وما أسند إليه من اسم أو حرف جر. 8- قد تنوَّعت دلالاتُ كثير من التراكيب في القرآن الكريم، فهناك من التراكيب التي لم ترد في القرآن الكريم إلاَّ للدلالة على معنى مُحدد في الاستعمال القرآني، كمصطلح ( الصراط المستقيم )، الذي دل على معنى ( الإسلام )، أو مصطلح ( البيت الحرام )، الذي لم يأتِ إلا للدلالة على الكعبة المشرفة. وهناك أيضًا تراكيب قد تعدَّد معناها في القرآن الكريم، وتحددت دلالتها بحسب السياق الواردة فيه، مثل تركيب ( الميثاق الغليظ ) وغيره. 9- تثبت دراسة المصاحبة اللغوية في القرآن الكريم أنَّ ظاهرة الترادُف التام في القرآن الكريم نادرةُ الوجود، فقد أكَّدت أن كل لفظ في الاستعمال القرآني له دلالته الخاصة به، والتي تميزه في الاستعمال من غيره؛ إذ كل كلمة في القرآن الكريم منتقاة بعناية فائقة، ودقة متناهية، وموضوعة في سبك رائع قوي؛ بحيث لا تقوم أي كلمة أخرى من الألفاظ المقاربة لها في المعنى مقامها، فإنَّ المصاحبةَ اللغوية قد أثبتت أنَّه إذا اقترن لفظان يشتركان في قَدْرٍ مُعَيَّن من المعنى، فورودهما معًا أكبر دليل على أن كلاًّ منهما يَحمل دلالةً مُعَيَّنَة أرادها القرآنُ الكريم، ولا يَتِمُّ المعنى إلا بها، وقد تَجَلَّى هذا الدور الذي قامت به المصاحبة في إثبات الفروق اللغوية في القرآن الكريم في صورة المعطوف والمعطوف عليه، مثل: ( البث والحزن، والخوف والخشية، والدعاء والنداء، والسر والنجوى، والضيق والحرج، والظلم والهضم... ) إلى آخر هذه الألفاظ. وعلى هذا يُمكن الاستفادة بالمصاحبة اللُّغوية في عَدِّها مِعْيارًا تتميز به الكلمات المترادفة في لغةٍ ما. 10- يمكن الاستفادة من ظاهرة المصاحبة اللغوية في استنباط الأحكام الشرعية، ولقد وعى الأصوليون والمفسرون ذلك، وقد ألْمَح البحث إلى بعض الإشارات التي تُنبئ عن ذلك في ثنايا هذا البحث. هذا، ومن الأمور التي أوصي بها في نهاية هذه الدراسة: 1- ضرورة دراسة المصاحبة اللُّغوية دراسة تطبيقية في دواوين الشعر العربي، فهي في حاجة إلى مثل هذه الدراسة، وكذلك دواوين السنة النبوية المطهرة؛ وذلك بغرضِ استخراج هذه الجواهر اللفظية المكنونة في لُغتنا الجميلة؛ حتى تدب إليها الرُّوح من جديد في هذا العصر. 2- ضرورة عمل مُعجم لُغوي يهتم بقضيةِ المصاحبة اللُّغوية؛ حتى لا تتسرب إلى اللغة تراكيب ركيكة، واستعمالات رديئة، لا سيما أنَّ اللغة العربية في هذه الأيام تعيش في غربة بين أهلها، ويفيد هذا المعجم أيضًا العاملين في مجال الترجمة؛ حتى نستطيع أن نعبر عن أنفسنا للعالم كله تعبيرًا صحيحًا يتوافق مع ديننا الصحيح ولغتنا الجميلة. 3- لا مانع من الاستفادة من الأفكار اللغوية الحديثة، وتطبيقها في دراسة القرآن الكريم، ما دامت لا تتعارض مع أصول ديننا، وقواعد فهمنا للقرآن الكريم، بل إنَّ دراسة ذلك من خلال القرآن الكريم قد يكون واجبًا إذا ما ساعد على إبراز وجه جديد من وجوه الإعجاز القرآني. وأخيرًا أود أنْ أقول: إنَّ هذا البحثَ المتواضع ما هو إلاَّ جُهد المقل، ولا أدَّعي فيه كمالاً، فالنقص سمة البشر، أما الكمال، فلله - تعالى - وحْدَه، وما كان فيه من فضل أو حسنة، فمن الله وحده لا شريك له، وإني لأرجو الله - تعالى - أن يجعل هذا العمل زادًا لي يومَ أن ألقاه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجزي الله - تعالى - أساتذتي الكرام، وكل مَن أعانني بالنُّصح والإرشاد خير الجزاء، فهو ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أَنِ الحمدُ لله رب العالمين.

التعريف والنوع

رقم الوثيقة
f3f4d205-30a0-4617-b147-f103197ecd9e
رقم العقد
0
نوع الوسائط
Crawler
نوع المحتوى
الرسائل العلمية
صيغة المصدر
رسائل دكتوراة
نوع الملف
pdf text
أسماء الملفات
313527_1.pdf

بيانات النشر

ألقاب المؤلفين
[{"name_ar":"حمادة محمد عبدالفتاح الحسيني دهينة","title_ar":"اعداد","title_en":"Preparation"},{"name_ar":"عبدالحليم محمد عبدالحليم","title_ar":"اشراف","title_en":"Supervision"},{"name_ar":"محمود عبدالعزيز عبدالفتاح","title_ar":"اشراف","title_en":"Supervision"}]
اللغة
Arabic

المصدر والدورية

اسم المصدر
المصاحبة اللغوية وأثرها في تحديد الدلالة في القرآن الكريم: دراسة نظرية تطبيقية

المحتوى والصفحات

عدد الصفحات
0

إشراف وإعداد

الإشراف
عبدالحليم محمد عبدالحليم, محمود عبدالعزيز عبدالفتاح
الإعداد
حمادة محمد عبدالفتاح الحسيني دهينة

الاقتباسات الببليوغرافية

APA

حمادة محمد عبدالفتاح الحسيني دهينة،عبدالحليم محمد عبدالحليم و محمود عبدالعزيز عبدالفتاح. (2007). المصاحبة اللغوية وأثرها في تحديد الدلالة في القرآن الكريم: دراسة نظرية تطبيقية. أطروحة(رسائل دكتوراة). كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين - القاهرة-جامعة الازهر. مصر.

MLA

حمادة محمد عبدالفتاح الحسيني دهينة،عبدالحليم محمد عبدالحليم و محمود عبدالعزيز عبدالفتاح. المصاحبة اللغوية وأثرها في تحديد الدلالة في القرآن الكريم: دراسة نظرية تطبيقية. 2007. كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين - القاهرة-جامعة الازهر، رسائل دكتوراة.